روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
21
عرائس البيان في حقائق القرآن
وقوله تعالى : الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ : « بالرحمن » : سبقت رحمته غضبه ، و « بالرحيم » : حجب كرمه سخطه ، و الرَّحْمنِ : اسم القدم ، و « الرحيم » : اسم البقاء ، و الرَّحْمنِ الرَّحْمنِ : اسم الحقيقة ، و الرَّحِيمِ : اسم الصفة . وقيل : الرَّحْمنِ بالإشراف على أسرار أوليائه ، والتجلّي لأرواح أنبيائه . وقيل : الرَّحْمنِ : خاص الاسم خاص الفعل ، و الرَّحِيمِ : عام الاسم عام الفعل . وقيل : الرَّحْمنِ بالنعمة ، و الرَّحِيمِ بالعصمة . وقيل : الرَّحْمنِ بالتجلّي ، و الرَّحِيمِ بالتدلّي . وقيل : الرَّحْمنِ بكشف الأنوار ، و الرَّحِيمِ بحفظ ودائع الأسرار . وقيل : الرَّحْمنِ بذاته « 1 » ، و الرَّحِيمِ بنعوته وصفاته . وقال سهل : بنسيم روح اللّه اخترع من ملكه ما شاء رحمة ؛ لأنه رحمن رحيم . وقال الواسطي : الرحمانية تشوق الروح شوقا ، والإلهية تذوق الحق ذوقا . وقال إبراهيم الخواص : من عرفه بأنه الرحمن الرحيم ، لزمه معرفته له بالرحمة ، الثقة به في حياته ومماته ، والعطف بالرحمة على الخلائق أجمع في الدنيا بالعوافي والأرزاق ، وفي الآخرة بالمغفرة والرحمة والغفران . قال جعفر الصادق : الرَّحْمنِ : العاطف على خلقه لسابق المقدور عليهم المراقب لهم ، و الرَّحِيمِ : المتعطّف لهم في أمر المعاش والعوافي . وقال الجنيد في قوله : الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ : الرحمة على وجهين : رحمة لطفه ، ورحمة عطفه ، فإشارة باسمه الرحمن إلى لطفه ، وإشارة باسمه الرحيم إلى عطفه . وقال الأستاذ : الرَّحْمنِ : خاص الاسم ، عام المعنى ، و الرَّحِيمِ : عام الاسم ، خاص المعنى « 2 » .
--> ( 1 ) الرَّحْمنِ في الظاهر ، فيعمّ رحمته الكافر ، والأعضاء والآفاق ، فإن كل ذلك داخل تحت حيطة الاسم الظاهر . ( 2 ) الرَّحِيمِ في الباطن ، فيعمّ رحمته المؤمن والقوى والأنفس ، كما يعمّهم الرحمة الرحمانية ، فللكافر ظاهر دون باطن ؛ لأن لا آخرة له ، فإن العاقبة للمتقين ، وللمؤمن ظاهر وباطن جميعا فالظاهر مع الباطن أقوى من الظاهر بلا باطن ؛ لأن الظاهر بلا باطن محصور كالدنيا ؛ لانتهائها دون الظاهر مع الباطن ؛ كالآخرة لعدم نهايتها ، وإنما أدخلنا الآخرة في الباطن ؛ لأنها قلب الدنيا ؛ والقلب باطن بالنسبة إلى